محمود صافي
199
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه مع فوائد نحوية هامة
أن العذاب مصبحكم ؛ فلما كان جوف الليل ، خرج يونس من بين أظهرهم ، فلما أصبحوا تغشاهم العذاب ، فكان فوق رؤوسهم . قال ابن عباس : إن العذاب كان أهبط على قوم يونس ، حتى لم يكن بينهم وبينه إلا قدر ثلثي ميل ، فلما دعوا كشف اللّه عنهم ذلك ، وقال سعيد بن جبير : غشي قوم يونس العذاب كما يغشى الثوب القبر ، وقال وهب : عندما غشيهم العذاب خرجوا بأطفالهم وبهائمهم ونسائهم إلى الصحراء ، ولبسوا المسوح ، وأعلنوا الإسلام والتوبة ، وكانوا صادقين ، فرحمهم ربهم ، واستجاب دعاءهم ، وكشف عنهم ما نزل بهم . فهذا من عظيم رحمة اللّه بعباده ، وأنه يقبل التوبة ويعفو عن السيئات ، ولا يصب سوط عذابه إلا على قوم لا يرجى إيمانهم . - ورد في هذه الآية قوله تعالى فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ فقد وردت آراء حول ( لولا ) في هذه الآية ، وقد تكلم ابن هشام في هذا الموضوع فقال : وذكر الهروي أن لولا تكون نافية بمنزلة لم ، وجعل منه ( لولا ) الواردة في هذه الآية ، والظاهر أن المعنى على التوبيخ ، أي فهلّا كانت قرية واحدة من القرى المهلكة ثابت عن الكفر قبل مجيء العذاب فنفعها ذلك ، وهو تفسير الأخفش والكسائي والفراء وعلي بن عيسى والنحاس ، ويؤيده قراءة أبيّ وعبد اللّه ( فهلّا كانت ) . ويلزم من هذا المعنى النفي ، لأن التوبيخ يقتضي عدم الوقوع ، وقد يتوهم أن الزمخشري قائل بأنها للنفي لقوله : والاستثناء منقطع بمعنى لكن ، ويجوز كونه متصلا والجملة في معنى النفي كأنه قيل : « ما آمنت » ولعله إنما أراد وما ذكرنا ، ولهذا قال : والجملة في معنى النفي ولم يقل : « ولولا للنفي » ، وقد أجمعت السبعة ( أي القراء ) على النصب في ( إلا قوم ) فدل على أن الكلام موجب ، ولكن فيه رائحة غير الإيجاب ، كقول الأخطل : وبالصريمة منزل منزل خلق * عاف تغيّر إلا النؤي والوتد عاف : دارس ( خرب ) . النؤي : حفرة حول الخباء تمنع عنه الماء . وفي هذا البيت رائحة النفي لأن تغير بمعنى لم يبق على حاله .